كاتبته : * الزهراء *
أين الحق ؟
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله رب العالمين
و الصلاة و السلام على سيد المرسلين
سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
أما بعد 00
فهذه قصتي أحببت أن أرويها لما فيها من فوائد و عبَر ، و أشهد الله تعالى على صدقي و عدم مبالغتي في أدنى أمر من الأمور 0
جعلنا الله و إياكم من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية و وضحت لهم طريق النجاة و سلكوا سبيل الإخلاص و اليقين 0
نشأت و ترعرعت في أسرة تحب العلم و تحرص عليه ، فأخي مهندس وأخواتي حاصلات على شهادات جامعية عليا من طب و هندسة و آداب و تجارة0أما والدي و والدتي فقد استطاعوا بعون الله تعالى أن يغرسوا فينا الكثير من الأخلاق الحسنة و المُثل العليا و أن يكونوا لنا قدوة في هذه الأخلاق 0 فوالدي ربّانا على المال الحلال، و مع أنه كان برتبة عميد و كان بإمكانه أن يجمع ثروة فيما لا يرضي الله تعالى و لكنه أبى ذلك0 و والدتي غرست فينا الأدب و العفّة و التهذيب ، وكان كل منهما يخاف علينا و يحرص على سمعتنا 0 أما من ناحية الاعتقاد ، فأفراد عائلتي ما كانوا من المسلمين السّنة ،بل كانوا ينتمون إلى إحدى الطوائف المنشقّة عن الإسلام 0
عشت طفولة ممتعة بين أحضان الطبيعة ، و انتقلت من المرحلة الإبتدائية إلى المرحلة الإعدادية و الثانوية ، و درست بعدها في معهد لإعداد المدرسين قسم اللغة الإنكليزية ،ثم تعيّنت بعد التخرج كمدرّسة في إحدى المدارس الإعدادية في منطقة ريفية 0 و بما أني كنت طموحة للأفضل ، فقد درست البكالوريا ثانية و دخلت كلية الآداب 0
كل هذه السنين التي مرّت من عمري ، كانت تبدو للعيان لامعة برّاقة ، ولكنها في الحقيقة ليست أكثر من زجاج متكسّر ! فمع أني حققت نجاحاً في مجالات شتى 00 إلا أني كنت ضمنياً ضائعة وأفتقد إلى الطمأنينة و السّكينة الرّوحية !! و خاصة في تلك السنوات الخدّاعات التي ظهر فيها الملاحدة و الكفرة والعلمانيون لينفثوا سمومهم في عقول و نفوس الناس إلا من رحم ربّك ! فأفسدوا الناس عامة بدعوتهم للتخلي عن إيمانهم و مبادئهم ، وأفسدوا المرأة خاصة بدعوتها إلى التبرج و السفور و مزاحمة الرجال و مخالفة فطرتها بحجة التحرر و التخلص من الرجعية و التخلّف !!
و بهذا ، فقد كنت ناجحة في المجال العلمي، لكن و للأسف ، كنت أنهل ثقافتي من ماء عكر و أنا أحسب أني أحسن صنعاً !
كنت ناجحة في المجال التعليمي ، لكني بالواقع ضللت و أضللت و أنا أظن أني صلحت و أُصلحت !!
كنت ناجحة في الحياة الإجتماعية ، و يلتفّ حولي الكثيرون يطرونني و يصفّقون لي ، و لكني ضمنيّاً كنت ضائعة و متشتتة !!
أربع و عشرون عاماً مرّوا من حياتي و أنا أعيش للحياة الدنيا ، أمرح و أضحك ، ألبس أجمل الثياب و أتزين بأبهى زينة ، حفلات رحلات زيارات 000 أما التفكير في الآخرة فقد كنت أتناساه و لكنه ما كان ينساني !! كان يراودني من حين لآخر ليزعج صفوتي و يقلق راحتي لبرهة من الزمن ثم يرتحل !! فكان يحضرني في مناسبات يُقدّرها الله تعالى لي كأن أرى جنازة مثلاً تمرّ من أمامي ، أو أن أسمع قرآناً أو قصة دينية أو وعظاً من التلفاز أو من معلمة الديانة !! فقد كنت منذ نعومة أظافري أتأثر كثيراً و تدمع عيوني لسماع هذه الأشياء لكن لفترة وجيزة فقط ثم أعود لأنغمس في الدنيا 0
المهم ، بقيت على هذا المنوال حتى جاء عام 1994 ليكون بداية لتحوّل جذري في حياتي ، فقد بدأت الابتلاءات و المحن بشتى أنواعها تتوالى عليّ و على عائلتي ،أزمات و أزمات اجتمعت لتهزّني من الأعماق و تجعلني أميل نحو الهدوء و الحزن 0 و حُبّب إلى نفسي قراءة الكتب التي تتعلق بفلسفة الوجود و الإنسان و الروحانيات 0
بعد حين من الزمن ، شاء الله تعالى أن أزور خالي في المشفى لعيادته بعد أن أجرى عملية جراحية ، و حين دخلت إلى غرفته فوجئت بضعفه و شحوبه و حالته المتردّية ، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة متمدداً لا حول له و لا قوة !! الجميع من حوله واقفون عاجزون لا يستطيعون نفعه بشيء !! شهدت منظراً ما شهدته في حياتي قط ، منظر إنسان يخصّني يصارع الموت و يُحتضر ، ثم توفي و بدأ البكاء و الصراخ يعلو ، و الرعب يسود الجو ، حاولت الثبات قدر المستطاع كي أصبّر أسرته و أواسيهم ، لكن هذا الثبات لم يدم أكثر من فترة قليلة ثم انهارت أعصابي بعدها و أخذوني إلى المنزل ليبعدوني عن هذا الحدث ،إلا أن هذا الحدث كان قد انتقل ليعيش في أعماقي ، فقد صار التفكير بالموت هاجسي ، و التساؤلات خواطري : " كيف يموت الإنسان ؟ أين تذهب روحه ؟ ماذا بعد الموت ؟ هل فكرة التقمّص صحيحة أم أن الروح تعيش حياة برزخية إلى يوم القيامة ؟ هل يوجد عذاب في القبر ؟ أكيد سأموت يوماً ما ، فماذا سيحل ّ بي ؟! هل أنا على الصراط المستقيم يا ترى أم أني في ضلال مبين ؟! ماذا 00و هل 00 و كيف 000؟؟؟!!! "
عشت في دوامة و صراع فكري رهيب أرّقني و أحرقني 00 و روّعت فكرة الموت و الأمور ( الميتافيزيقية ) أيامي و لياليّ ، و جعلتني أخاف و أرتعب من البقاء في المنزل بمفردي أو من النوم في الغرفة لوحدي دون أخواتي،و خيّمت عليّ الأوهام في النهار و الكوابيس في الليل حتى اسودّت عيشتي ! حاولت أن أقرأ في بعض كتب المذهب عندنا و لكني ما وجدت فيها ما يشفي آلامي 0 فماذا عساي أن أفعل مع هذه المعضلة النفسيّة التي ألمّت بي؟ لا بد من الخروج منها و إلا أهلكتني !!
فكرت و فكرت 00و وصلت إلى قناعة معينة ، أنه يكفيني أن أؤمن بالله و أن أبتعد عن المحرّمات و أحب الناس كلّهم و لا أؤذي أحداً ، و أن أعمل أعمالاً خيرية و كفى 00 ثم قررت أن أملأ أوقاتي كلّها كي لا يبقى عندي أدنى و قت من الفراغ 00 صرت أداوم في المدرسة صباحاً ، ثم في الجامعة ظهراً و عصراً ، و في المساء كنت أعطي دروساً خصوصية لبعض الطالبات ، ثم أعود للمنزل بعد أن ينفذ وقودي فأغطّ في نوم عميق حتى الصباح 0 أما يوم الجمعة فكان لتنظيف المنزل و الحياة الإجتماعية 00و يوم الثلاثاء يوم إجازتي ، خصصته لممارسة هواية من هواياتي 00فاشتريت آلة موسيقية ( أورغ ) ، و سجّلت بمعهد خاص لتعليم العزف 00 و هكذا صارت أوقاتي مملوءة تماماً 0
بقيت على هذه الحال ما شاء الله لي أن أبقى ، و ظننت أني انتصرت على أزماتي بهروبي من ذاتي 00 لكن الله سبحانه أراد أن يُنبّهني و يذكّرني ! وكأنه يقول لي ( يا أمَتي أين المفرّ ؟) 000 فقد مرضت مرضاً شديداً بعد هذا العناء الطويل ، و أصبت بحمّى ألزمتني الفراش ، و تراجعت صحّتي و ضعف جسدي و شعرت أنه قد اقترب أجلي ، تأزّمت و خفت من المصير المجهول الذي ينتظرني ، بكيت و تضرّعت إلى الله تعالى00وناجيته بدموع غزيرة و قلب محروق :
( يا رب ، سبحانك ، لماذا خلقتني و أين المصير ؟ يا رب ، هل أنا على حق أم على باطل ؟ هل الملّة و المذهب الذي أنتمي إليه صحيح أم زائف ؟ لماذا وُلدت على هذا المذهب دون غيره ؟ و هل مفروض علي أن أتّبع آبائي و أجدادي أم أني أستطيع أن أبدّل مذهبي ؟!و إن كان، فأي دين أو مذهب أختار ؟! يا الله 00يا رحمن يا رحيم 00لا تقبض روحي الآن 00أحيني و سأبحث و أجتهد للآخرة ، فماذا تساوي هذه الدنيا بكل زخارفها أمام لحظة الموت ؟! 00 لا تقبضني يا رب حتى تهديني إلى الحق المبين ) 0
فاستجاب الله تعالى دعائي و ردّ إليّ صحتي و عافيتي 0 و بدأتُ مسيرتي في البحث عن الحقيقة 0
صرت أتردد إلى المكتبة للقراءة و الاطلاع على الكتب الدينية و الروحانية 00 و بدأت أتنقّل من كتاب دين إلى آخر ،






















